أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
204
العقد الفريد
اللّه ، لو دنوت فأصبت معنا ! قال : قد واللّه فعلت . قال الكندي : ما بعد اللّه شيء ! قال : فكنفه واللّه كتافا لو بسط يده لأكل بعده لكان كافرا ! قال : ومررت ببعض طرق الكوفة ، فإذا أنا برجل يخاصم جارا له ، فقلت : ما بالكما ؟ فقال أحدهما : إن صديقا لي زارني واشتهى عليّ رأسا ، فاشتريته له وتغدينا . فأخذت عظامه فوضعتها عند باب داري أتجمل بها عند جيراني ، فجاء هذا وأخذها ووضعها على باب داره ، يوهم الناس أنه هو الذي أكل الرأس . بخيل وولده قال رجل من البخلاء لولده : اشتروا لي لحما ، فاشتروا له ، وأمر بطبخه حتى تهرّأ ، فأكل منه حتى انتهت نفسه [ ولم يبق إلا العظم ] ، وشرعت إليه عيون ولده ، فقال : ما أنا مطعمه أحدا منكم إلا من أحسن صفة أكله ! فقال الأكبر : أتعرّقه « 1 » يا أبت ، حتى لا أدع للذرّة فيه مقيلا ! قال : لست بصاحبه ! فقال الأوسط : أتعرّقه يا أبت حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أول ! قال : لست بصاحبه ! فقال الأصغر : أتعرّقه يا أبت ، ثم أدقه دقا ، وأسفه سفا ؟ قال : أنت صاحبه ، وهو لك دونهم . الثوري وقال عمرو بن بحر الجاحظ : كان أبو عبد الرحمن الثوري يعجبه الرؤوس ويصفها ، وكان يسمّي الرأس عرسا لما فيه من الألوان الطيبة ، وربما سماه الكامل والجامع ؛ ويقول : الرأس شيء واحد ، وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة ، والرأس فيه الدماغ ، وطعمه مفرد ، وفيه العينان ، وطعمهما مفرد ، والشحمة التي بين أصل الاذن ومؤخر العين ، وطعمها مفرد ، على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ ، وأرطب من الزبد ، وأدسم من السلاء ؛ وفي الرأس اللسان ، وطعمه مفرد ، والخيشوم ، والغضروف ، ولحم الخدين ، وكل شيء من هذه طعمه مفرد ؛ والرأس سيد البدن ،
--> ( 1 ) تعرّق : أي أكل ما عليه من اللحم نهشا بأسنانه .